ابن قيم الجوزية

108

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية

وكذلك الوهاب من أسمائه * فانظر مواهبه مدى الأزمان أهل السماوات العلى والأرض عن * تلك المواهب ليس ينفكان الشرح : ومن أسمائه سبحانه ( البر والوهاب ) أما البر فقد ورد ذكره مرة واحدة في القرآن في قوله تعالى : إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [ الطور : 28 ] والبر هو الموصوف بالبر ، وهو كثرة الخير والاحسان ، فالبر وصفه سبحانه ، وآثار هذا الوصف جميع النعم الظاهرة والباطنة فلا يستغني مخلوق عن احسانه وبره طرفه عين ، واحسانه سبحانه عام وخاص ، فالعام هو المذكور في مثل قوله تعالى : رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً [ غافر : 7 ] وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [ الأعراف : 156 ] فإنه يشترك فيه البر والفاجر ، وأهل السماء وأهل الأرض ، والمكلفون وغيرهم لا ينفك عنه موجود من الموجودات . وأما الخاص فهو رحمته التي كتبها للمتقين يرحمهم بها في الدنيا بالتوفيق للهداية والايمان والأعمال الصالحة وصلاح أحوالهم كلها ، ويرحمهم بها في الآخرة فينجيهم من عذاب السموم ويورثهم جنات النعيم ، قال تعالى : إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [ الأعراف : 56 ] وأما الوهاب فقد ورد كثيرا في القرآن ، كقوله تعالى : أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ [ ص : 9 ] وكقوله على لسان الراسخين في العلم : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [ آل عمران : 8 ] . وكقوله على لسان سليمان بن داود عليهما السلام رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [ ص : 35 ] . والوهاب مبالغة من واهب وهو الكثير الهبات والعطايا التي يتقلب فيها أهل سماواته وأرضه ، والتي لا تنفك عنهم طرفة عين منذ أن خلق السماوات والأرض كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن يمين اللّه ملآى لا تغيضها نفقة ، سحاء الليل والنهار ، ألم تروا